مجالات
التأمل الذاتي:
إن حاجة الإنسان إلى التأمل
والمراجعة لها أهمية قصوى في أبعاد ثلاثة:
البعد الأول: المراجعة الفكرية:
أن يراجع الإنسان أفكاره وقناعاته، ويتساءل عن مقدار الحق والصواب
فيها، ولو أن الناس جميعاً راجعوا أفكارهم وانتماءاتهم، لربما
استطاعوا أن يغيروا الأخطاء والانحرافات فيها، غير أن لسان حال
الكثير من الناس {إِنَّا وَجَدْنَا
آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}
وليكن الإنسان حراً مع نفسه، قوياً في ذاته. إذا ما اكتشف أنه على
خطأ ما، فلا يتهيب أو يتردد من التغيير والتصحيح.
البعد
الثاني: المراجعة النفسية:
أن يراجع الإنسان الصفات النفسية
التي تنطوي عليها شخصيته، فهل هو جبان أم شجاع؟ جريء أم متردد؟
حازم أم لين؟ صادق أم كاذب؟ صريح أم ملتو؟ كسول أم نشيط؟.. الخ.
وليطرح الإنسان على نفسه عدداً من الأسئلة التي تكشف عن هذا البعد،
مثل: ماذا سأفعل لو قصدني فقير في بيتي؟ ماذا سأفعل لو عبث الأطفال
بأثاث المنزل؟ ماذا سأفعل لو حدث أمامي حادث سير؟ وكيف سيكون رد
فعلي لو أسيء إلي في مكان عام؟ وكيف أقرر لو تعارضت مصلحتي الشخصية
مع المبدأ أو المصلحة العامة؟
وتأتي أهمية هذه المراجعة في أن الإنسان ينبغي أن يقرر بعدها أن
يصلح كل خلل نفسي عنده، وأن يعمل على تطوير نفسه، وتقديمها خطوات
إلى الأمام.
البعد الثالث: المراجعة الاجتماعية
والسلوكية:
أن يراجع الإنسان سلوكه وتصرفاته مع الآخرين، بدءاً من زوجته
وأطفاله، وانتهاءً بخدمه وعماله، مروراً بأرحامه وأصدقائه، وسائر
الناس، ممن يتعامل معهم أو يرتبط بهم.
وهذا الشهر الكريم هو خير مناسبة للارتقاء بالأداء الاجتماعي
للمؤمن، ولتصفية كل الخلافات الاجتماعية، والعقد الشخصية، بين
الإنسان والآخرين، وقد حثت الروايات الكثيرة على ذلك، إلى حد أن
بعض الروايات تصرّح: بأن مغفرة اللَّه وعفوه عن الإنسان يبقى
مجمداً فترة طويلة، حتى يزيل ما بينه وبين الآخرين من خلاف وتباعد،
حتى وإن كانوا هم المخطئين في حقه، وحتى لو كان أحدهما ظالماً
والآخر مظلوماً فإنهما معاً يتحملان إثم الهجران والقطيعة، إذ
المظلوم منهما يتمكن من أن يبادر لأخيه بالتنازل وإزالة الخلاف،
فما أوضحها من دعوة للمصالحة الاجتماعية، وما أعظمها من نتيجة لو
تحققت خلال هذا الشهر الكريم، وما أكبر منزلة تلك القلوب التي
تستطيع أن تتسامى على خلافاتها، وتتصالح في شهر القرآن، من أجل
الحصول على غفران اللَّه؟ من هنا يحتاج الإنسان حقاً إلى قلب طاهر
متزكي، ونية خير صادقة، فاسألوا اللَّه ربكم بنيات صادقة وقلوب
طاهرة.
من جانب آخر فقد تسيطر على الإنسان بعض العادات والسلوكيات
الخاطئة، ومهما كان عمقها في نفس الإنسان، والتصاقه بها، فإن
الإرادة أقوى من العادة، وشهر رمضان أفضل فرصة لنفض وترك العادات
السيئة الخاطئة.
فهنيئاً لمن يستفيد من أجواء هذا الشهر المبارك في المكاشفة مع
ذاته، وإصلاح أخطائه وعيوبه، وسد النواقص والثغرات في شخصيته،
فيراجع أفكاره وآراءه، ويدرسها بموضوعية، ويتأمل صفاته النفسية
ليرى نقاط القوة والضعف فيها، ويتفحص سلوكه الاجتماعي، من أجل بناء
علاقات أفضل مع المحيطين به.
وبهذه المراجعة والتراجع عن الأخطاء، يتحقق غفران اللَّه تعالى
للإنسان في شهر رمضان، أما إذا بقي الإنسان مسترسلاً سادراً في
وضعه وحالته، فإنه سيفوّت على نفسه هذه الفرصة العظيمة، وسينتهي
شهر رمضان، دون أن يترك بصمات التأثير في شخصيته وسلوكه، وبالتالي
فقد حرم نفسه من غفران اللَّه تعالى، وحقاً أن من لا يستفيد من هذه
الفرصة ولا يستثمر هذه الأجواء الطيبة يكون شقياً.